التوكل على الله

التوكل على الله

العدد 147 لشهر شعبان 1433هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. فمن منازل الدين العظيمة منزلة التوكل على الله، وهي منزلة حري بالمسلم معرفتها ودراستها، وتطبيقها تطبيقا عمليا.

• تعريف التوكل:

في اللغة: هو الاعتماد والتفويض، وتوكيل الأمر إلى الشخص أي تفويضه به والاعتماد عليه فيه، ووكل فلان فلاناً إذا استكفاه واعتمد عليه وفوض الأمر إليه ووثق به، والتوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير، وأصله من الوكول ويقال وكلت أمري إلى فلان أي اعتمدت عليه.
والتوكل في الاصطلاح: صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها.
وقال الحسن: أن يعلم أن الله هو ثقته..!

• حقيقة التوكل:

قال الزبيدي في تاج العروس: الثقة بما عند الله واليأس مما في أيدي الناس، فالتوكل على الله اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، مع كامل اليقين أن تعلم أن الله هو الرازق الخالق المحيي المميت، لا إله غيره ولا رب سواه.
والتوكل يتناول التوكل على الله ليعينه الله على فعل ما أمره، والتوكل على الله ليعطيه ما لا يقدر عليه، فالاستعانة تكون على الأعمال و، التوكل أعمّ من ذلك، فالتوكل مجلبة لمنفعة، ودفع لمضرة.

• أنواع التوكل:

1- التوكل على الله في جميع الأمور من جلب المنافع ودفع المضار وهو واجب من شروط الإيمان.
2- التوكل على المخلوقين في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالمتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر أو رزق أو حفظ: فهذا شرك أكبر ينافي التوحيد.
3- التوكل على الأحياء الحاضرين، كالتوكل على الأمير والسلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهذا: شرك أصغر.
4- توكيل الإنسان غيره في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه كالبيع والشراء والإجارة: فهذا جائز ولكن لا يقول توكلت عليه، بل يقول وكلته، فإنه لو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه وتعالى.

• مراتب التوكل:

والتوكل على الله لابد من تحقيق مراتب فيه:
1- معرفة الرب وصفاته، من قدرته وكفايته وقيوميته: أنت تتوكل على الله وتعتمد عليه فيجب أن تكون مؤمنا بقوة الله وقدرته وأنه يكفيك، فالذين يعطلون أسماء الله وصفاته ويلحدون فيها سيخلون بهذه المرتبة.
2- إثبات الأسباب والمسببات وأنها لا تستقل بنفسها في التأثير، ومن جحد الأسباب وقال كل سبب معطل، فهذا قد خالف الشرع والعقل والواقع.
هناك أسباب ومسببات: تتزوج ليأتيك الولد، وتبذر ليخرج الزرع، وتذاكر لتنجح، وتعمل لتستلم المعاش..، ولذلك ثبت في سنن الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعقلها وأتوكل أم أطلقها وأتوكل…؟ قال: «اعقلها وتوكل».
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون، فقال: هؤلاء مبتدعون.
3- ومن المقامات التي يجب تحقيقها رسوخ القدم في طريق التوحيد..، فالعبد المؤمن إذا حقق التوحيد كان له من التوكل النصيب العظيم..، (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت) توحيد وتوكل بعده..
4- الاعتماد على الله عز وجل في كل الأمور، بحيث يفوض إليه سائر أموره.
5- أن يحسن الظن بالله عز وجل، ويفوض الأمور كلها إلى الله عز وجل، وأن يعتقد بأنها بيد الله أوثق منه بما في يده، ولا يضطرب قلبه ولا يبالي بإقبال الدنيا وإدبارها لأن اعتماده على الله.
6- استسلام القلب لله سبحانه وتعالى، فإذا استسلم كاستسلام العبد الذليل لسيده وانقياده له حصل التوكل..
7- التفويض: قال سبحانه: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (غافر: 44) أي أتوكل عليه وأستعينه مع مقاطعتي ومباعدتي لكم.
قال ابن مسعود: إن أشد آية في القرآن تفويضاً {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).
وقال ابن القيم رحمه الله نقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضى بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضى بالمقضي بعد الفعل فقد قام بالعبودية.

•  التوكل علم وعمل

والتوكل على الله عز وجل يجمع علم القلب وعمل القلب: أن يعلم بأن الله مقدر الأشياء ومدبر الأشياء، وعمل القلب سكون القلب للخالق والاعتماد عليه والثقة به، فهذان أمران مهمان في التوكل: علم القلب وعمل القلب.
أن يعلم بالأسماء والصفات.
أن يسكن ويفوض ويستسلم لله سبحانه وتعالى.
فإذا ابتليت ببلية فثق بالله وارضَ به سبحانه فلن يضيعك، وسيوفقك للخير.

•  منزلة التوكل

قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).
وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون».
التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة.
ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار، والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل، وإن تباين متعلق توكلهم، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره.. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس.

•  خُلق التوكل على الله تعالى

المسلم لا يرى التوكل على الله تعالى في جميع أعماله واجبًا خلقيًا فحسب بل يراه فريضة دينية، ويعـده عقيدة إسلاميـة وذلك لأمـر الله تعالـى به فـي قوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23) لهذا كان التوكل المطلق على الله سبحانه وتعالى جزءًا من عقيدة المؤمن بالله تعالى.
والمسلم إذ يدين لله تعالى بالتوكل عليه، والإطراح الكامل بين يديه، لا يفهم من التوكل ما يفهمه الجاهلون بالإسلام، وخصوم عقيدة المسلمين من أن التوكل مجرد كلمة تلوكها الألسن، ولا تعيها القلوب، وتتحرك بها الشفاه، ولا تفهمها العقول، أو تترواها الأفكار، أو هو نبذ الأسباب، وترك العمل، والقنوع والرضى بالهون والدون تحت شعار التوكل على الله، والرضا بما تجري به الأقدار.
لا أبدًا، بل المسلم يفهم التوكل الذي هو جزء من إيمانه وعقيدته أنه طاعة لله بإحضار كافة الأسباب المطلوبة لأي عمل من الأعمال التي يريد مزاولتها والدخول فيها، فلا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها، ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها، غير أن موضوع إثمار تلك الأسباب، وإنتاج تلك المقدمات يفوضه إلى الله سبحانه وتعالى إذ هو القادر عليه دون سواه.
فالتوكل عند المسلم إذًا هو عمل وأمل، مع هدوء قلب وطمأنينة نفس، واعتقاد جازم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

•  التوكل على الله من أسباب الرزق

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
وهذا الحديث أصل عظيم في التوكل، وقد قال الله تعالى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (الطلاق: 3).
قال سعيد بن جبير: «التوكل جماع الإيمان»،، وفي الدعاء المأثور: اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته.

وفقة تأمل.!
قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال: 2).
وصف الله المؤمنين في هذه الآية بصفات حميدة وصلوا بواسطتها إلى حقيقة الإيمان وكماله:
1- أنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: أي خافت فأدوا فرائضه وتركوا ما نهاهم عنه.
2- أنهم يعتمدون على الله وحده ويتوكلون عليه ويفوضون أمورهم إليه، وهذه الصفة هي الشاهد من الآية للباب.
3- أنهم إذا تليت عليهم آيات الله ازداد إيمانهم وتحقق يقينهم.
4- أنهم يقيمون الصلاة ويأتون بها على الوجه الأكمل بأوقاتها وواجباتها وشروطها وأركانها.
5- أنهم ينفقون مما رزقهم الله من أموالهم النفقات الواجبة والمستحبة.
وبهذه الخصال الخمسة نالوا الجزاء الأوفى والدرجات العلى والمغفرة والرزق الكريم في جنات النعيم.
وتفيد الآية: أن الإيمان يزيد بالطاعة كما أنه ينقص بالمعصية.

•  فوائد التوكل

1- بسببه النصر على الأعداء { وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } ال عمران 173.
2- يجلب المصالح ويدفع المضار والمصائب ويجلب الرزق ويعجل الشفاء.
3- التوكل على الله سبب لقوة القلب ونشاطه.
4- وقاية من الانهيارات النفسية والعصبية.
5- يباعد بين الإنسان والانتحار وما يفعل الانتحار إلا الذين عدموا التوكل فيئسوا وأصيبوا بالإحباط فلم يبق لهم في الدنيا مكان في نظرهم.
6- سبب للحفظ في النفس والمال والولد والأهل { قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يعقوب قالها لبنيه..! { الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }يوسف 67، وقال: { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }المجادلة 10. وعندما يخرج الإنسان من بيته يقول: «بسم الله توكلت على الله» فماذا يحدث له؟!!.. يقول له ملك: «هُدِيت، وُقِيت، كُفيت من كل شر».
7- التوكل على الله يبعث في القلب الحماس والعزيمة للعمل، لأن فيه فتحا لباب الأخذ في الأسباب والأسباب المشروعة، لما يفهم المرء التوكل فهماً صحيحاً ينطلق للعمل ويأخذ بالأسباب.
8- والتوكل على الله يرفع الروح المعنوية حتى لو أصاب الإنسان مصائب وشدائد، ففي الجراحات والقتل الذي أصابهم مصيبة فوقها يأتي خبر أن المشركين جمعوا عليكم ليعيدوا الكرة عليكم فماذا قالوا: { وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}.
9- التوكل على الله يجلب الرزق كما يرزق الطير وقد تقدم الكلام في هذا.
10- التوكل على الله يحقق النتيجة، فالطالب يريد النجاح، والتاجر يريد الربح، وطالب الوظيفة يريد التعيين في العمل، وهكذا.
11- من توكل على الله يشعر بمعية ربه له أنه معه ناصره ومغنيه وكافيه وواقيه.
12- التوكل على الله يجلب محبة الرب للعبد, وكذلك العبد يحب الرب نتيجة التوكل، لأنه يرى آثار توكله على ربه وكيف أن الله يعطيه على نيته وتوكله عليه فيحب ربه.
13- التوكل من حققه دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهذا أعظم ثمرات التوكل كما جاء في حديث السبعين ألف.

•  ختامًا..
فإن التوكل من أجمع أنواع العبادة وأعظمها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، وقال ابن القيم: فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام.

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المتوكلين عليه، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بامكانك تحميل المطوية بصيغة Pdf من هنا

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لم يسبق لأحد التعليق .. كن الاول و أضف تعليقك