الآداب الشرعية في الرحلات البرية

العدد 148 لشهر ربيع الأول 1434هـ

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين
من فضل الله تعالى على عبادة أن جعل لهم في دينهم فسحة فأباح لهم التمتع بالزينة والطيبات من الرزق بل جعل التأمل بالكون والنظر إلى بديع الخلق عبادة يتقرب بها العبد إلى مولاه عز وجل ومن ذلك الخروج في الأيام الجميلة إلى البر والتمتع بما فيه من خضرة وجمال
فقد سألت عائشة رضي الله عنها عن البداوة فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو إلى هذه التلاع. (أي يخرج إلى البادية) رواه أبو داود وصححه الألباني، وقد كان بعض الصحابة يحب أن يخرج إلى البادية، وقد كان بعض العلماء يخرج إلى الضياع والبساتين للترويح.
لذا ينبغي للمسلم أن يراعي الآداب الإسلامية الواجبة والمستحبة التي هي من سمات المسلم في إقامته وترحاله، ومن هذه الآداب نذكر منها ما يتيسر لنا في بيانه ..

• الرحلات لها فوائد عظيمة:

1- ترويح النفس وإجمامها.
2- التعرف على الأماكن والتفكر بالمخلوقات.
3- الكشف عن أخلاق الرجال ومعرفة طبائعهم.
4- اكتساب مهارات جديدة وتنمية القدرات.
5- تقوية صلة الرحم وروابط الإخوة بالخروج معهم.
6- تربية الأولاد على الخشونة وقوة الشخصية وحسن التصرف.

• العبادة المنسية:

من العبادات التي ينساها البعض هي عبادة التفكر في خلق الله، فكثيرًا ما يقول الله (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة 219 ، ومن أعظم ما يستفيده المسلم من خلال الرحلات البريَّة التَّفكر في مخلوقات الله العجيبة والوقوف على مشاهد كونية تتجلَّى فيها كمال قدرة الله وسعة علمه وإتقان صنعه ويشعر فيها المؤمن بالرَّهبة والخشوع والإجلال، كالنَّظر إلى شروق الشمس وغروبها وطلوع القمر ونزول المطر وزهور الرَّبيع ونباتها، قال الله تعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران 190-191
ومن ذلك التأمل في عظم خلق الإبل وسلوكها وطريقة سيرها وأحوالها وصفاتها الفريدة وتآلفها وانقيادها للإنسان وقد قال الله تعالى: ( أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) الغاشية 17-19

• أدب المكان

1- الاختيار الصحيح لمكان المخيم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنزلوا على جواد الطريق، ولا تقضوا عليها الحاجات. رواه ابن ماجه وصححه الألباني ( جواد الطريق: جمع جادة وهي معظم الطريق)

2- الدعاء عند نزول المنزل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق لم يضرّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك } رواه مسلم

3- يكره الجلوس بين الظل والشمس:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم. رواه أبوداود وصححه الألباني

• آداب قضاء الحاجة

1- عدم التخلي وتقذير الأماكن التي يرتادها الناس من ظل أو شجر أو غيره
 قال صلى الله عليه وسلم: { اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل } رواه أبو داود وحسنه الألباني ويقاس على ذلك ما يفلعه بعض النساء من رمي (حفائظ الأطفال) بما فيها من نفايات تؤذي وتقذر المكان.

2- استحباب بعد المكان عن الناس إذا كان في الفلاة (البر)
لحديث المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي في سفر فقال: { يا مغيرة خذ الإداوة فأخذتها فانطلق رسول الله حتى توارى عني فقضى حاجته } رواه مسلم

3- استحباب استتار البدن حال قضاء الحاجة
لحديث عبدالله ابن جعفر: {… وكان أحب ما استتر الرسول به: هدف، أو حائش نخل } رواه مسلم

4- وجوب ستر العورة:
قال صلى الله عليه وسلم: { كان إذا أراد حاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض } رواه أبو داود وصححه الألباني

5- النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط:
قال صلى الله عليه وسلم: { إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا } رواه مسلم

6- طلب المكان الرخو عند قضاء الحاجة
قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه حتى يأمن التلوث من البول وحتى لا يرتد رشاش بوله.

• إسباغ الوضوء على المكاره

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ) رواه مسلم
قال النووي: وإسباغ الوضوء تمامه، والمكاره تكون بشدة البرد وألم الجسم ونحو ذلك.

• التيمم:

قال الله تعالى (فلم تجدوا ماءاً فتيمموا صعيداً طيباً) المائدة 6

صفة التيمم
أن يقول: بسم الله ناوياً التيمم، ثم يضرب بكفيه وجه الأرض ضربة واحدة، ثم يمسح ظاهر كفه الأيمن براحة يده اليسرى، وظاهر كفه الأيسر براحة يده اليمنى، ثم يمسح وجهه بيديه.
ويقال بعد التيمم ما يقال بعد الوضوء من الأذكار.

اسباب التيمم
1- إذا لم يجد الماء ولم يستطع الحصول عليه قبل خروج الوقت ، وسواء كان مُحدِثًا حدثًاً أصغر أو حدثًاً أكبر.
2- إذا كان الماء شديدَ البُرودة وعَجَزَ عن تسخينِه، وغلبَ على ظَنِه حُصُول ضَرَر باستعماله.
3- من به مرض أو جرح ووجد مشقة وحرجًا من الوضوء أو الغسل بالماء، وذلك بزيادة المرض، أو تأخُّر الشِّفاء

• المسح على الخفين

الخف ما يلبس على الرجل مما يصنع من الجلد
والجورب : ما يلبس عليها مما يصنع من القطن ونحوه وهذا المعروف بـ ( الشراب أو الدلاغ )
وثبت في السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح على الخفين

شروط المسح
1- إدخالهما بعد تمام طهارة الوضوء بالماء
2- أن يكون طاهرين من النجاس
3- ن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر لا الأكبر كالجنابة أو ما يوجب الغس
4- أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا وهو يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر

توقيت المسح
1- يبدأ المسح من أول مسحه بعد الحدث وتنتهي بعد أربع وعشرين ساعة للمقيم واثنين وسبعين للمسافر لحديث علي رضي الله عنه: ( جعل رسول الله ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم ) رواه مسلم
2- إذا انتهت المدة وهو على طهارة لم تنتقض طهارته لكن ينتقض مسحه.

صفة المسح
أن يمسح الخف أو الجورب من أعلاه من أطراف الأصابع إلى ساقه لقول علي رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود وصححه الألباني، أي أنه باقٍ على طهارته لكن لا يحق له المسح عليه مرة أخرى.

• أحكام الصلاة

تحري القبلة للصلاة في الصحراء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ) رواه البخاري

فضل الأذان في البر:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. رواه البخاري
قال النبي صلى الله عليه وسلم: يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن و يقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي و أدخلته الجنة. رواه أبو داود وصححه الألباني

الصلاة بأجر خمسين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة. رواه ابو داود وصححه الألباني

تسوية التراب في موضع السجود أثناء الصلاة:
قال صلى الله عليه وسلم ( لا تمسح وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة تسوية الحصى) رواه البخاري ومسلم .

الصلاة على التراب:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة ) رواه الطبراني وصحح الألباني.

التلثم عند البرد في الصلاة
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه . رواه أبو داود وحسنه الألباني، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: يُكره التلثم في الصلاة إلا من علة. مجموع الفتاوى
لبس القفازين للبرد في الصلاة
قال ابن جبرين : يجوز للرجال والنساء لبس القفازين في الصلاة فإنه يحتاج إليه لبرد ونحوه .

الصلاة جهة النار:
ذهب جمهور الفقهاء إلى كراه الصلاة إلى النار، لأن فيها تشبه بالمجوس، وفي الحديث: (من تشبه فهو منهم) وإليه مال شيخ الاسلام.

استحباب الصلاة إلى سترة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك. رواه أبوداود وصححه الألباني

استحباب الصلاة بالنعال
سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه أكان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي في نعليه قال: نعم. رواه البخاري

• آداب عامة

- حسن الجوار واحترام الجار ورعاية حقوقه في بذل الخير له وكف الشر عنه وغض البصر عن محارمه وعدم إيذاءه بأي تصرف، سواء كان له مخيم ثابت أو من الكشاته، لحديث: من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم. رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقال صلى الله عليه وسلم: خير المسملين من سلم المسلمون من لسانه ويده. رواه مسلم

- ينبغي على أعضاء الرحلة مراعاة الستر والعفاف فيلزمون النساء بالحجاب الشرعي ويجعلون لهن مكان منعزل عن الرجال بعيد تأخذ المرأة راحتها ويكون لها خصوصية فيه ويتيسر للرجال غض البصر.

- وضع البرامج النافعة والمسابقات الثقافية المفيدة، ويراعى في ذلك التَّنوع والتَّغيير والتَّشويق وعدم الإطالة ومشاركة الجميع.

- التزام المجموعة بالأدب الشَّرعي في التَّعامل فيما بينهم من توقير الكبير ورحمة الصغير واجتناب الجدال والغيبة وكل ما يورث العداوة والبغضاء بين القلوب، ويحسن المزاح في هذه الأوقات وينبغي أن يكون خفيفا على النفس ليس فيه ضرر وأن يراعى فيه الفروق الفردية بين الناس فكل يمزح معه بما يناسبه وحسب طاقته وطبيعته.

- اجتناب جميع المعاصي والذنوب كاستماع المعازف وشرب الدخان والنَّظر المحرم وتعاطي المسكر، ولا ينبغي السهر بلا حاجة وربما أفضى لتضييع صلاة الفجر.

• إرشادات

1- المحافظة على أذكار الصباح والمساء.

2- إذا نزل المطر: ( اللهم صيبًا نافعًا ) البخاري، وعند البخاري ومسلم (مطرنا بفضل الله ورحمته )

3- دعاء الريح : اللهم أني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. متفق عليه

4- إطفاء النار والمدفئة قبل النوم: عن أبي موسى رضي الله عنه قال : احترق بيت في المدينة على أهله ، فحدث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن هذه النار إنما عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم ) وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ) رواهما البخاري ومسلم

قال الحافظ بن حجر : وحكمة النهي هي خشية الاحتراق ، ثم قال : قيده بالنوم لحصول الغفلة به غالبًا ، ويستنبط منه أنه متى وجدت الغفلة حصل النهي .

فيستفاد منه الحذر الشديد من إبقاء المدافئ مشتعلة حالة النوم، والحوادث لا تخفى في ذلك فتبنه.

نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا وأقوالنا، وأن يغيث قلوبنا بالإيمان وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

 بإمكامك تحميل المطوية بصيغة Pdf من هنا

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


6 + one =

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title="" rel=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>