السفر آداب وأحكام

الحمدلله وكفى.. والصلاة والسلام على النبي المصطفى.. وبعد

بعد فصل دراسي مليء بالأعمال والواجبات، تحتاج النفس إلى شيء من الراحة والاستجمام، لتعود بعدها لمواصلة العمل والجد والمثابرة بهمة عالية، ونفس مقبلة، وقد راعى ديننا الحنيف هذه الفطرة، فأباح للإنسان أن يعمل المباح ليرفه عن نفسه ويُذهب عنها الملل والسآمة، وقد راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الجانب حتى في مواعظه وخطبه فكان يتجنب أن يصيبهم بالسآمة والملل فقد قال أصحابه عنه صلى الله عليه وسلم انه كان يتخولهم بالموعظة مخافة السآمة عليهم، وغالب الناس يتخذون وسيلة -مباحة في أصلها- ليرفهوا عن أنفسهم، ونحن بحاجة لمعرفة آدابها وأحكامها، وهذه الوسيلة هي السفر والتنقل بين المدن والبلدان طلباً للراحة والنزهة وزيارة الأقارب ونحو ذلك من الأغراض.

أنواع السفر

1- سفر حرام، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله أو حَرّمه رسوله صلى الله عليه وسلم مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم.
2- سفر واجب، مثل: السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.
3- سفر مستحب، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.
4- سفر مباح، مثل السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.
5- سفر مكروه، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة إلا في أمر لابد منه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده»

قبل السفر

- استخارة الله سبحانه وتعالى في ذلك فصلى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة.
- أن يوصي بما يحتاج إلى الوصية به وليشهد على وصيته ويرد الودائع التي عنده أو يوصي غيره بردها إذا حدث له في سفره ما يمنعه من تأدية هذه الودائع إلى أهلها.
- يرد المظالم إلى أهلها ويتحلل منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم الحديث» رواه البخاري.
- يسترضي والديه وشيوخه ومن يندب إلى بره واستعطافه.
- يتوب إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات وليطلب من الله تعالى المعونة على سفره.
- يجتهد في تعلم ما يحتاج إليه في سفره.
- وعلى المسافر أن يترك النفقة لأهله ولكل من يجب عليه نفقته عند سفره قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إِثماً أن يحبس عمّن يملك قوته»
- ويستحب للمسافر أن يقول أذكار المقيم ويزيد عليها الأذكار الخاصة بالسفر.

استحباب التوديع

يستحب للمسافر أن يودع أهله وقرابته وإخوانه.
قال ابن عبد البر: إذا خرج أحدكم في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل في دعائهم بركة.
قال: وقال الشعبي: السنة إذا قدم رجل من سفر أن يأتيه إخوانه فيسلموا عليه، وإذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعاءهم.
وفي التوديع سنة مهجورة قل من يعملها، ألا وهي توديع المسافر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فعن قزعة قال: قال لي ابن عمر: هلمَّ أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أستودع الله دينك، وأماناتك، وخواتيم عملك».

السفر من أول نهار يوم الخميس

من هديه في أسفاره، أنه كان يحب الخروج في يوم الخميس، وكان يخرج في أول النهار، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس» [رواه البخاري].

التأمير في السفر

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» [رواه أبو داود]. ولما كان السفر من الأمور التي يحصل بها الاجتماع والملازمة بين الناس، استحب للقوم المسافرين ـ الذين يبلغون ثلاثة فأكثر ـ أن يؤمروا أحدهم يسوسهم ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وعليهم الطاعة والاتباع ما لم يأمر بمعصية الله، فإن فعلوا ذلك حصل لهم من اجتماع الكلمة، وسلامة الصدور، ما يجعلهم يقضون حاجتهم من سفرهم دون منغصات أو مكدرات تحدث بينهم.

لا تسافر وحدك

وفيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده» [رواه البخاري]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» [رواه أبو داود].

لا تسافري بدون محرم

نهى الشرع المطهر عن سفر المرأة بدون محرم، لما قد يترتب عليه من الفتنة لها ولمن حولها من الرجال. والأحاديث الواردة في ذلك صريحة صحيحة لا مجال لتوهينها، ولا تأويلها، فقد روى الشيخان وغيرهما أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم» ولفظ مسلم:«لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها» [رواه البخاري، ومسلم]

دعاء وأذكار السفر

- دعاء ركوب وسيلة السفر: «بسم الله: الحمد لله: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر،: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»

- روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل
وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» [رواه مسلم].

- الذكر عند علو الثنايا والهبوط من الأودية: ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، السابق ـ أنه قال في آخره: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك»

- دعاء دخول القرية ونحوها: قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها»

- دعاء نزول المنزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» [رواه مسلم].

استحباب الاجتماع عند النزول وعند الأكل:

جعل الله في الاجتماع القوة والعزة والمنعة والبركة، وجعل في التفرق الوهن والضعف وتسلط الأعداء ونزع البركة. والقوم إن كانوا يسافرون جميعاً استحب لهم أن يجتمعوا في مكان نزولهم ومبيتهم، وكذا يجتمعون على أكلهم لتحصل البركة لهم.

رخص السفر

- القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب: غير السفر؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.
- الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما.
- الفطر في رمضان من رخص السفر.
- الصلاة النافلة على الراحلة وسيلة النقل إلى جهة سيره.
- المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليهن لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم.

كراهية قدوم المسافر على أهله ليلاً

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً»
وعند مسلم: «إذا قدم أحدكم ليلاً فلا يأتين أهله طروقاً حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة»
وعنده أيضاً: «نهى رسول الله (أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم» [رواه البخاري، ومسلم].

ختاما:

نقول إن مما يكمِّل فرحة المسلم، ويكون سبباً في سعادته في الدنيا والآخرة أن يحرص على معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سفره ومعرفة ما يحل وما يحرم، ومعرفة الآداب والأحكام التي تقربه من ربه الرحيم العلام اللهم أرزقنا الفقه في الدين.

لتحميل أحكام السفر بصيغة Pdf اضغط هنا

لتحميل إصدار القرص الدعوى اضغط هنا

تعليق واحد على ” السفر آداب وأحكام

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


seven − = 3

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title="" rel=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>